أحمد بن علي القلقشندي
146
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المراسلات ، على وحشة الفراق ، فإنها ألسن ناطقة ، وعيون على البعد رامقة . وله : عند المملوك لمولانا خيال مقيم ، لا يبرح ولا يريم ، يجلو عليه صورته ، ويطلع على عين فكرته طلعته ، إن سهر المملوك سامر معينا على السّهاد ، أو رقد تصوّر معذبا طعم الرّقاد ، لا يمطله بزيارته ، ولا يوحشه بغيبته ، كأنما تصوّر بصورته في الوفاء ، وتخلَّق بخلقه في المحافظة على الإخاء . وله : إن تزايلت الأشباح ، فقد تواصلت الأرواح ، وإن نزحت الأشخاص وبعدت ، فقد دنت الأنفس وتقاربت ، فلا تمضّ الفرقة وتؤلم ، وتنغّص النّوى وتكلم ، وقد ينال بتناجي الضّمائر ، وتحاور السّرائر ، ما لا تصل إليه الإشارة ، ولا تدلّ عليه العبارة ، إذ الأنفس البسيطة أرقّ مسرى ، وأبعد من الألسنة مرمى . التشوّق من كلام المتأخرين : نسخة كتاب من ذلك ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة ، وهو بعد الصدر : لا زال الدّهر يقضي خدمه ، ويمضي رأيه وسيفه وقلمه ، ويرضي الدّول الشاكرة تقديمه فيها وقدمه ، ولا برحت الأقدار المعربة تجزم أمره وتكسر ضدّه وترفع علمه ، تقبيلا إذا لثم التّرب التثمه ، وإذا أودع القلب في ذلك التّرب ختمه . وينهي مواظبته على ولاء لا ينسخ البعد محكمه ، ودعاء يقابل النّجوم ولا تنقطع من القبول إدراراته المنجّمة . وينهي أنه سطَّرها عن شوق يعزّ عليه أن ينوب فيه سعي القلم ، عن سعي القدم ، وارتياح إلى القرب الذي بأنسه يؤنسه أنوارا على أعلى علم ، وتطلَّع لمعاودة الأخبار أوفى من تطلَّع العامريّ إلى معاودة أيّام ذي سلَّم ، وتعلَّل بقول القائل ( وافر ) . بعثت لكم سوادا في بياض لأنظركم بشيء مثل عيني وهيهات ! أين نظرات الحروف المرقومة من نظرات العيون الرامقة ، وأين